الثعلبي
363
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
والقصاص لا يكون إلّا في قتل العمد فسمّاهم مؤمنين وآخى بينهم كقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ « 1 » فلم يرد به إلّا أخوة الإيمان ، والكافر لا يكون أخا للمؤمن . ثم قال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك لا يلحق الكفار ثم أوجب على المعتدين بعد ذلك عذابا أليما بقوله فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ « 2 » . ولم يرد مع مثلها الغضب ، ولا التخليد في النار ولا يسمى هذا العذاب نارا ، والعذاب قد يكون نارا وقد يكون غيرها في الدنيا ، ألا ترى إلى قوله يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ « 3 » يعني القتل والأسر ، والدليل عليه قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ « 4 » مخاطبا المقاتلين فخاطب به المصلين ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان ، لجاز مخاطبتهم به لذلك قال اللّه وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا واقتتال الطائفتين كان على العمد أو على الخطأ ، والدليل عليه أيضا ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنه كان يبلّغ أصحابه على أن لا يشركوا بِاللَّهِ شَيْئاً ولا يقتلوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ * وعلى ما في القرآن ممن فعل من ذلك شيئا ، فكان عليه أجرا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، ومن كفر بالله فأمره إلى اللّه عز وجل إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ، ولو كان القاتل خارجا عن الإسلام . لم يكن لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معنى ، وروي أنّ مؤمنا قتل مؤمنا متعمّدا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يأمر القاتل بالإيمان من فعله ولو كان [ كافرا ] أو خارجا عن الإيمان . لأمره أولا بالإيمان . وقال : لطالب الدم أتعفو ؟ قال : لا ثم قال أتأخذ الدية ؟ قال : لا ، فأمره بقتله ثم أعاد عليه مرتين أو ثلاثة حتى قبل الدية ولم يحكم على القاتل بالكفر ، ولو كان ذلك كفرا لبينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأن بكفر كان قد حرم بها أهله عليه ، ولم يجز على الرسول الإغفال عنه لأنه الناصح ، الشفيق ، المبعوث بالتأديب والتعليم . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنه قال : « ثلاثة من أهل الإسلام . الكفّ عمّن قال : لا إله إلّا اللّه لا نكفره بذنب [ ولا نخرجه من الإسلام بعمل ] ، والجهاد ماض منذ بعثني اللّه إلى أن تقوم الساعة ، والإيمان بالأقدار » « 5 » . ودليل آخر على إن القاتل لا يصير كافرا بالقتل وهو أن الكفر من الجحود وأيضا الشرك إضافة ، والقاتل لم يجحد ولم قبول الفرائض ولا أضاف إلى اللّه شركاء ، ولو جاز أن يكون كافرا من لم يأت بالكفر فجاز أن يكون مؤمنا من لم يأت بالإيمان [ . . . . . . ] « 6 » .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 178 . ( 2 ) سورة البقرة : 178 . ( 3 ) سورة التوبة : 14 . ( 4 ) سورة المائدة : 6 . ( 5 ) كنز العمال : 15 / 811 ح 43226 ، والجامع الصغير : 1 / 527 بتفاوت . ( 6 ) كلمة غير مقروءة .